في عام ١٩٤٨ وزّع أستاذ علم النفس الأمريكي برترام فورر على طلابه، وكانوا تسعة وثلاثين، اختبارا للشخصية، ثم عاد بعد أسبوع وسلّم كل واحد منهم وصفا مطبوعا قال إنه خلاصة إجاباته، وطلب منهم أن يقدّروا دقته من صفر إلى خمسة. فجاء متوسط تقديرهم ٤٫٢٦، أي أن أكثرهم رأى في الورقة نفسه كما يعرفها.
ثم كشف فورر الحيلة، فالطلاب جميعا تسلّموا الوصف ذاته حرفا بحرف، وقد جمع عباراته الثلاث عشرة من كتاب أبراج اشتراه من كشك صحف، ولم يلتفت إلى إجاباتهم أصلا. ومن تلك العبارات أن عندك طاقة كبيرة لم تستثمرها بعد، وأنك تنفتح على الناس أحيانا وتنطوي عنهم أحيانا.
وهذه التجربة، التي نشرها فورر عام ١٩٤٩، هي أول ما ينبغي أن تعرفه عن تحليل الشخصية، لأن شعورك بأن النتيجة «تشبهك» لا يدل وحده على أنها صحيحة، فالوصف العام يشبه الجميع، والقياس الجيد هو الذي يفرّق بينك وبين غيرك.
ما تحليل الشخصية باختصار؟
تحليل الشخصية محاولة منظمة لوصف الطريقة الثابتة نسبيا التي تفكر بها وتشعر وتتصرف، بالقياس إلى غيرك من الناس. والتحليل العلمي يعتمد على استبيانات مقننة جُرّبت على عينات كبيرة، فيعطيك درجة على أبعاد متصلة، ويختلف بذلك عن اختبارات التسلية التي تمنحك لقبا جذابا لا يمكن التحقق منه.
لماذا نصدّق النتيجة حتى لو كانت عامة؟
سمّى علماء النفس ما كشفه فورر «أثر بارنوم» أو «أثر فورر»، وهو ميلنا إلى قبول الأوصاف العامة الغامضة على أنها كُتبت لنا تحديدا. ويزداد الأثر حين يكون الوصف إيجابيا في أغلبه، وحين نثق بمصدره، وحين يجمع بين الشيء ونقيضه، كأن يقال لك إنك اجتماعي في بعض المواقف ومتحفظ في غيرها، وهي عبارة تصدق على كل إنسان تقريبا.
تخيّل أنك أجبت عن عشرة أسئلة في تطبيق على هاتفك، فظهر لك أنك «القائد الحالم»، وتحت اللقب فقرة تقول إنك تحب الاستقلال لكنك تقدّر من حولك، وإن لديك أحلاما كبيرة تحتاج إلى من يؤمن بها. ستشعر غالبا بأن الفقرة تعرفك، والسبب أنها لا تقول عنك شيئا يمكن أن يكون خاطئا.
ولهذا يسأل المختص سؤالا مختلفا عن سؤال «هل تشبهني النتيجة؟»، فهو يسأل: هل كانت النتيجة ستختلف لو أجاب شخص آخر؟ وهل ستبقى كما هي لو أجبت أنا بعد شهر؟
ماذا يقيس العلم حين يحلل الشخصية؟
يحكم علم القياس النفسي على أي اختبار بمعيارين قبل غيرهما. الأول الثبات، أي أن تعطيك الأداة النتيجة نفسها تقريبا إذا أعدتها بعد مدة قصيرة لم تتغير فيها. والثاني الصدق، أي أن تقيس الأداة ما تدّعي قياسه، وأن ترتبط درجاتها بسلوك حقيقي في الحياة، كالأداء في العمل أو الرضا في العلاقات أو طريقة التعامل مع الضغط.
ويضاف إليهما معيار ثالث هو المعايير السكانية، فدرجتك وحدها لا معنى لها حتى تُقارَن بدرجات عينة كبيرة من الناس، فإذا قيل لك إنك مرتفع في الانبساط فالمقصود أنك أعلى من أغلب الذين أجابوا عن المقياس نفسه، وليس أنك اجتماعي بإطلاق.
والاختبار الذي لا يذكر ثباته ولا صدقه ولا العينة التي بُني عليها قد يكون ممتعا، لكنه لا يصلح أساسا لقرار مهني أو حكم على نفسك.
السمات الخمس الكبرى أم اختبارات الأنماط؟
أكثر ما ينتشر على الإنترنت اختبارات أنماط تضعك في خانة واحدة من عدد محدود من الخانات، فإما أن تكون منبسطا وإما منطويا، وإما مفكرا وإما عاطفيا. أما النموذج الذي يعتمده أغلب الباحثين اليوم فهو السمات الخمس الكبرى للشخصية، وهو يقيس موقعك على خمسة أبعاد متصلة: الانفتاح على التجربة، ويقظة الضمير، والانبساط، والطيبة، والعصابية في مقابل الاتزان الانفعالي.
والفرق بين الطريقتين ليس شكليا، لأن أغلب الناس يقعون قرب منتصف كل بعد، فإذا قسّمت البعد قسمين صار الفرق بين شخصين متشابهين جدا فرقا بين «نمطين» متقابلين، وصار تغيّر إجابة واحدة كافيا لتغيير اللقب كله. والمقياس المتصل يحفظ هذه الفروق الصغيرة، فيقول لك إنك أعلى من سبعين في المئة من الناس في الانبساط، وهذه معلومة أدق من كلمة «منبسط».
ثم إن السمات الخمس خرجت من تحليل إحصائي لكلمات الناس عن الناس، وظهرت في لغات وثقافات كثيرة، ودرجاتها ترتبط بنتائج يمكن قياسها، كارتباط يقظة الضمير بالأداء الوظيفي في دراسة باريك وماونت عام ١٩٩١. وهذا لا يعني أن اختبارات الأنماط بلا فائدة، فهي تفتح باب الحديث عن الذات بلغة سهلة، لكنها تصف أكثر مما تقيس.
ماذا تقول لك كل سمة من السمات الخمس؟
الانفتاح على التجربة يصف ميلك إلى الأفكار الجديدة والخيال والفن، فمن ارتفع فيه يحب التجريب ويمل التكرار، ومن انخفض فيه يطمئن إلى المألوف ويحسن العمل فيه. ويقظة الضمير تصف التنظيم والانضباط والوفاء بالمواعيد، وهي أقوى السمات صلة بالأداء في العمل والدراسة.
والانبساط يصف طاقتك الاجتماعية، فالمنبسط يستمد نشاطه من الصحبة، والمنطوي يستعيده في الهدوء، وليس الانطواء خجلا ولا ضعفا في المهارة الاجتماعية. والطيبة تصف ميلك إلى التعاون والتعاطف وحسن الظن، ومن انخفض فيها أصرح وأقدر على المواجهة. أما العصابية فتصف قابليتك للقلق وتقلب المزاج تحت الضغط، وهي سمة يتوزع عليها الناس جميعا، وليست تشخيصا.
ولا يوجد في هذه الأبعاد طرف جيد وطرف سيئ على الإطلاق، فلكل موقع مزاياه وتكاليفه بحسب العمل والبيئة والعلاقة، ولذلك يفيدك التحليل حين يدلك على المواقف التي تحتاج فيها إلى جهد أكبر، لا حين يمدحك أو يذمك.
هل تعرف نفسك أفضل مما يعرفك الآخرون؟
ليس دائما. فأغلب اختبارات الشخصية تعتمد على تقريرك عن نفسك، وهذا التقرير يتأثر برغبتك في أن تبدو بصورة حسنة، وبمزاجك ساعة الإجابة، وبالصورة التي تحملها عن نفسك منذ سنوات. ولهذا يقيس الباحثون الشخصية أحيانا بتقدير الأصدقاء والأقارب أيضا، وقد وجد كوستا وماكراي أن الأبعاد الخمسة تظهر في الطريقتين معا، وهذا من أقوى أدلة النموذج.
والفائدة العملية لك أن تعرض نتيجتك على من يعرفك جيدا، فإذا اتفق تقديره مع درجاتك اطمأننت إليها، وإذا اختلف فالاختلاف نفسه معلومة تستحق أن تفكر فيها.
كيف تقرأ نتيجة تحليل الشخصية بعين ناقدة؟
حين تصلك نتيجة أي اختبار، اسأل نفسك عن هذه الأمور قبل أن تحفظ اللقب:
- هل تعطيك النتيجة درجات أم لقبا فقط؟ الدرجات على أبعاد متصلة أدق من الخانات، ومن يقف قرب المنتصف ينبغي أن يعرف ذلك.
- هل في الوصف ما يمكن أن يكون خاطئا؟ العبارة التي تصدق على كل الناس لا تخبرك بشيء عنك، أما العبارة التي تقول إنك أقل اهتماما بالتفاصيل من أغلب الناس فيمكنك اختبارها في حياتك.
- هل يذكر الاختبار مصدره؟ المقياس المبني على أداة منشورة، كمقاييس مستودع IPIP المفتوح، يمكن الرجوع إلى أبحاثه، أما الاختبار بلا مصدر فلا يمكن الحكم عليه.
- هل تتكرر النتيجة؟ أعد الاختبار بعد أسابيع وأنت في حال عادية، فإذا تبدّل لقبك كليا فالمشكلة غالبا في الأداة لا فيك.
- هل تعامل النتيجة على أنها وصف أم حكم؟ الشخصية تتغير تغيرا تدريجيا مع العمر والتجربة، والنتيجة صورة لموقعك اليوم.
هل يغني تحليل الشخصية عن رأي المختص؟
لا، فاختبارات الشخصية العامة تصف الفروق العادية بين الناس، ولا تشخّص اضطرابا نفسيا. وإذا كنت تعاني من قلق أو حزن مستمر، أو من صعوبة متكررة في علاقاتك وعملك، فطريقك هو الأخصائي النفسي الذي يقابلك ويسمع قصتك، لأن التشخيص يحتاج إلى مقابلة وتاريخ وسياق لا يملكها أي استبيان على الإنترنت.
وكذلك لا يحسن أن تبني على النتيجة قرارا كبيرا وحدها، كاختيار تخصص أو رفض متقدم لوظيفة، فالسمة ترجّح ولا تحسم، والمهارة والاهتمام والظروف تشارك في النتيجة.
من أين تبدأ؟
إن أردت أن تجرب تحليلا مبنيا على السمات الخمس فجرّب في مكشوف اختبار الشخصية المجاني. وهو يعطيك درجتك في كل بعد بدل لقب واحد، ثم يربطها بأقرب نمط من أنماط الشخصية لمن يحب هذه اللغة، مع بقاء الدرجات هي الأصل. واقرأ نتيجتك بالأسئلة السابقة، وقارنها بما يقوله عنك من يعرفك جيدا.
خلاصة القول في تحليل الشخصية
ظن طلاب فورر أنهم قرؤوا أنفسهم، وكانوا يقرؤون كتاب أبراج. وتحليل الشخصية الذي يستحق ثقتك هو الذي يقيس ولا يجامل، فيعطيك درجات ثابتة إذا أعدته، ويقارنك بعينة معروفة، ويرتبط بما تفعله في حياتك فعلا، وهذا ما تقدمه السمات الخمس الكبرى أكثر من غيرها. أما الألقاب الجذابة فاستمتع بها ما شئت، واحتفظ بالدرجات حين تريد أن تفهم نفسك.